الفيض الكاشاني
43
نقد الأصول الفقهية
على وجه يمكن مجامعته لدعوى الاجماع وإن بعد أو ارادتهم لاجماع على روايته بمعنى تدوينه في كتبهم منسوبا إلى الأئمة - عليهم السّلام - ، لامتناع إرادة المعنى المصطلح عليه . وهل هو حجّة ؟ الظاهر لا ، لعدم دليل عليها . وما استدلّ به الشهيد « 1 » - رحمه اللّه - من « انّ عدالتهم تمنع من الاقتحام على الإفتاء بغير علم ، ولا يلزم من عدم الظفر بالدليل عدم الدليل وبأنّ الظنّ يقوى في جانب الشهرة » ضعيف . لأن العدالة إنّما يؤمن معها تعمّد الإفتاء بغير ما يظنّ بالاجتهاد ، وليس الخطاء بمأمون على الظنون « 2 » . والشهرة الّتى يحصل معها قوّة الظن هي الحاصلة قبل زمن الشيخ - رحمه اللّه - لا الواقعة بعده . وأكثر ما يوجد مشهورا في كلام الأصحاب حدث بعد زمان الشيخ الطوسي - ره - كما نبّه عليه الشهيد « 3 » - طاب ثراه - مبيّنا لوجهه . وقد مرّ مفصّلا في مباحث السنّة . وقال - طاب ثراه - في بعض رسائله ونعم ما قال « وأمّا ما اشتهر بينهم من أنّه متى لم يعلم في المسألة مخالف أو علم مع معرفة أصل المخالف ونسبه يتحقّق الاجماع ويكون حجّة ، ويجعل قول الإمام في الجانب الذي لا ينحصر » ونحو ذلك ممّا بيّنوه واعتمدوه فهو قول مجانب للتحقيق جدّا ، ضعيف المأخذ . ومن أين يعلم أنّ قوله - عليه السّلام - وهو بهذه الحالة من جملة أقوال هذه الجماعة المخصوصة دون غيرهم من المسلمين . قال : ثمّ متى بلغ قول أهل الاستدلال من أصحابنا في عصر من الأعصار السابقة حدّا لا ينحصر ، ولا يعلم به بلد القائل ولا نسبه ، وهم في جميع الأزمان محصورون منضبطون بالاشتهار والكتابة والتحرير لأحوالهم على وجه لا يتخالج معه شك ولا يقع معه شبهة ، ومجرّد احتمال وجود واحد منهم مجهول الحال مغموم في جملة الناس مع بعده مشترك من الجانبين . فإنّ هذا إن أثّر كان احتمال وجوده مع كلّ قائل ممكنا ، ومثل هذا لا يلتفت اليه أصلا رأسا . وقد قال المحقّق في المعتبر « 4 » - ونعم ما قال - : « الاجماع حجّة بانضمام المعصوم . فلو خلى المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجّة . فلا تغتر بمن يتحكّم فيدّعى الاجماع باتّفاق الخمسة أو العشرة
--> ( 1 ) - استدلّ به في الذكرى كما نقل عنه صاحب المعالم . ( معالم الدين : 178 ) ( 2 ) - هذا حق ، ولكن الظاهر أنّ توافق جمع من العلماء العظام على الخطأ بعيد فيحصل الظن بأنّ مستندهم حق . ( حاشية ملا صالح على المعالم : ص 132 پ ) ( 3 ) - قال الشهيد الثاني في الرعاية : « انّا نمنع من كونه هذه الشهرة التي ادّعوها مؤثرة في جبر الخبر الضعيف . فانّ هذا انّما يتمّ لو كانت الشهرة متحقّقه قبل زمن الشيخ والامر ليس كذلك . فانّ من قبله من العلماء كانوا بين مانع من خبر الواحد مطلقا كالمرتضى والأكثر على ما نقله جماعة وبين جامع الأحاديث من غير التفات إلى تصحيح ما يصحّ وردّ ما يردّ . فالعمل بمضمون الخبر الضعيف قبل زمن الشيخ على وجه يجبر ضعفه ليس بمتحقّق . ولمّا عمل الشيخ بمضمونه في كتبه الفقهية جاء من بعده من الفقهاء واتّبعه منهم عليها الأكثر تقليلا له . الرعاية في علم الدراية : ص 92 - 93 ) ( 4 ) - المعتبر 1 : 6